لماذا ينتهي المطاف عادة بالشركات الكبرى الناجحة إلى الفشل؟

- Advertisement -

إن تاريخ قطاع الأعمال مليء بأسماء شركات باتت في طي النسيان بعدما كانت يومًا اسمًا كبيرًا يهيمن على صناعة ما، وفي بعض الأحيان لم تسقط هذه الشركات الكبرى ولكنها باتت جديرة بلقب السيدة العجوز بعد تراجع نشاطها وانحسار دورها في الصناعة بشكل كبير، بحسب تقرير لموقع “إنسياد نولدج” التابع لكلية إدارة الأعمال “إنسياد”.

إن فهم سبب فشل الشركات القوية، وكيفية تجنبه، هو أحد المساعي المقدسة في أبحاث الأعمال والإدارة، والذي يحفز النشاط الاستشاري، ومع ذلك فإن حقيقة استمرار سقوط الشركات الناجحة دليل قاطع على الفهم غير المكتمل لدوافع هذا الإخفاق.

يزعم البعض أن النتائج الاستراتيجية ومصير الشركة تحددها الاختيارات والالتزامات والإجراءات التي تتخذها الإدارة العليا، ووفقًا لهذا المنطق يرتبط الأداء المتميز والضعيف بالرؤساء التنفيذيين الحاليين، حتى لو كان هذا الرئيس حديث العهد في منصبه.

لكن هناك مدرسة فكرية أخرى تقول إن زوال الشركات الناجحة يرجع إلى الهياكل التنظيمية والعمليات ونماذج الأعمال التي تعزز تماسك الشركة لدرجة الصرامة، ما يجعل التكيف والتغيير غاية في الصعوبة، إن لم تصبح أمورًا مستحيلة.

وأخيرًا يرجع مؤيدو نظرية التدمير الإبداعي أو هدم البناء للاقتصادي “جوزيف شومبيتر” انهيار الشركات إلى عدم قدرتها على التكيف مع البيئة الخارجية المتغيرة جذريًا، والتي أصبحت واضحة تمامًا عبر مجموعة من الصناعات بدءًا من تجارة التجزئة إلى النشر والاتصالات، خاصة في ظل الثورة التكنولوجية.
 

في حين أن الحجج الثلاث مقنعة، إلا أن أيًا منها ليس كافيًا وحده لتفسير لماذا وكيف تفشل الشركات الكبرى، وهذا يستدعي وجود رؤية أكثر شمولًا خلال دورة حياة الشركة، ولحسن حظ الباحثين فقد توافر هذا المنظور بفضل أكثر من 20 عامًا من الأبحاث حول جوالات “نوكيا”، والتي هيمنت على هذه الصناعة في وقت من الأوقات قبل أن تتوارى خلف جلباب “مايكروسوفت” بعد سلسلة من الإخفاقات الموجعة.

لم يخلص كتاب “نغمة رنين: اكتشاف صعود وسقوط نوكيا في عالم الجوالات” الذي أعده باحثان لدى “إنسياد” إلى أسباب فشل الشركة الفنلندية فحسب، وإنما قاد الخبراء إلى تفسير كيفية سقوط الشركات الناجحة بوجه عام، حيث تبين أن ما يقود الشركة إلى نهاية مسدودة هو مزيج من اختيارات الإدارة والتكيف التنظيمي والتطور الصناعي، حيث يلعب كل منهم دورًا أكثر أو أقل أهمية من الآخر بمرور الوقت، ويصبح الترابط بينهم مهلكا.

اختيارات الإدارة
 

– من الواضح أن خيارات الإدارة تسهم في إخفاق الشركات، لكنها ليست فقط قرارات الفريق الحالي التي تؤثر حقًا، فبذور التعثر الاستراتيجي عادة ما تزرع من خلال الإجراءات التي اتخذتها الإدارة قبل عقد من الزمان.

– إن مثل هذه القرارات التي تعتمد على القدرة على الاستدلال المهني، والالتزامات التدريجية، والغطرسة أيضًا، تشكل بدورها السياق الذي يتم فيه اتخاذ الإجراءات المستقبلية.
 

– الاستدلال القوي، لا سيما المكتسب من خلال التعلم غير المباشر أو غير المقصود الذي تختبره الشركة أثناء نموها ومع تجاوزها للأزمات، يصبح أحد المبادئ الضمنية المعتادة في عملية صنع القرار.
 

– لذلك على سبيل المثال، وخلال أيامها الأولى بعدما استثمرت مبالغ ضخمة في تطوير التقنيات الجديدة، توصلت شركة “بولاريد” إلى أن سوق الكاميرات الفورية باهظة الثمن محدود للغاية، وليس بالحجم الذي يكفي للحفاظ على الشركة.
 

– رغم إدراك الشركة للحاجة إلى الاستثمار في التقنيات الرقمية في وقت مبكر من عام 1985، فقد وضعت فرق الإدارة المتعاقبة أمام تحد صعب للغاية بسبب رهانها على الكاميرات الفورية بدلًا من تقديم منتج بأسعار معقولة كما يفعل المنافسون، وبعد تعاقب العديد من المديرين التنفيذيين، وإعادة الهيكلة، ووضع استراتيجيات جديدة، أفلست “بولاريد”.
 

– يتسبب النجاح في توليد العجرفة، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تركيز المدراء على القضايا التشغيلية التي تعزز النتائج خلال المدى القصير وتجاهل الاستدامة والنمو بعيد المدى، وهو ما حدث في “آي بي إم” تحت قيادة “سام بالميسانو” الذي ركز على مضاعفة عائدات المساهمين في ظل تغير البيئة التنافسية، ومع تجاهله ذلك، كانت الشركة أمام مشكلة خطيرة للغاية، لكنها لم تظهر إلا بعد سنوات.

التكيف التنظيمي
 

– تؤدي خيارات الإدارة إلى تنفيذ الهياكل والعمليات والنماذج التجارية التي إذا تركت دون مساءلة، يمكن أن تؤدي إلى خلل وتصبح عائقًا هائلًا أمام التكيف المطلوب بشدة للمنشأة.
 

– في “آي بي إم”، لم يكن قد مضى وقت طويل بعد خلافة “جيني رومتي” لـ”بالميسانو” كمدير تنفيذي، حتى بدأ يتضح مدى عمق المشكلات، وكان عدد أقل من العملاء يشترون الأجهزة ذات الصلة بالحلول السحابية أو ما يعرف بـ”البرمجيات كخدمة”، وكان لذلك تأثير كبير على أداء الشركة.
 

– لكن “آي بي إم” كانت عالقة في نموذج أعمال متكامل للغاية، حيث كانت مبيعات الأجهزة مرتبطة بمبيعات البرمجيات ذات الهامش المرتفع بجانب الخبرات الاستشارية لتنصيب هذه البرمجيات والحفاظ عليها، ولسنوات ظل هذا النموذج يخنق مبادرات النمو ويجعل التغيير صعبًا للغاية.
 

– كما تمت الإشارة من قبل، الهياكل التنظيمية قد تكون عائقًا كبيرًا أمام التغير الذي تحتاج نماذج العمل القديمة، لكن بعد اختيارات شجاعة وإعادة تنظيم طويلة وصعبة ومؤلمة، بدأت “آي بي إم” أخيرًا تتحرر من قيودها وتظهر قدرتها القتالية العالية في بيئة تنافسية جديدة.

تغير البيئة
 

– عندما تتغير طبيعة صناعة ما، فإن ذلك سيؤدي إلى سقوط بعض اللاعبين، وربما تكون الشركات الناجحة الكبرى هي الأكثر عرضة للخطر، حيث من المرجح أنها حصرت تطورها في التعاون مع الشركاء الحاليين والموردين والزبائن الرئيسيين.
 

– بالإضافة إلى ذلك، فإن كلا من خيارات الإدارة ومستوى التكيف التنظيمي، سيجعل الأمر أكثر أو أقل صعوبة بالنسبة للشركة كي تخرج من نموذج أعمالها الحالي وتتعرف على البيئة المحيطة بها.
 

– لم يفهم أي من مجلس أو إدارة شركة “كوداك” مدى سرعة تغير الصناعة من التصوير الفوتوغرافي إلى التصوير الرقمي، وبالتالي فإن خياراتهم عززت بشكل مدمر العمليات القديمة وأهملت التطور الجاري في السوق.

– بدعم من مجلس إدارة “آي بي إم”، ركز “بالميسانو” على زيادة عائدات المساهمين لدرجة أنه فشل في رؤية المنافسة تتحول إلى الحوسبة السحابية والخدمات حسب الطلب.
 

– أما نوكيا فكانت منغلقة تمامًا على نظرتها المتمحورة حول منتجات الأجهزة، ولم تتمكن إدارتها من تصور المستقبل الذي يعتمد على المنصات الإلكترونية التي ابتكرتها كل من “آبل” و”جوجل”.

- Advertisement -

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

%d مدونون معجبون بهذه: